الفكر الجماعي وصناعة نسق ميمي (Memetics)

كان فكرتي ان اكتب هذا المقال عن مفهوم الميمات وابين العلاقة بينها وبين احد مرتكزات مدرسة سحر الفوضى وهو انشاء الكيانات الجماعية(Egregore) الا انني ارتأيت ان يكون اكثر توضيحا للمفهوم والمصطلح وللتداخلات الاجتماعية التي يتجلى فيها وربما وانوه بعجالة عن التداخل او التشابك الذي يمكننا ان نلحظه في الميمات على انها كيانات جماعية كم شرحتها مدرسة الفوضى.

الميمات (MeMe – memetics) كمصطلح دشنه ريتشارد دوكنز وربطه بالجين الكلمة ميم ترجع الى اليونانية وتعني الذاكرة فاخذ دوكنز من تلك الكلمة ليصيغ بدوره مصطلح الميمات ، وحسب قاموس ويبستر فإن الانتشار الفعلي للمصطلح بدء في 1984 .

مصطلح ميم هنا لايعني من قريب او بعيد ولا بالمعنى والمصطلح مايسمى بمجتمع ميم LGBTQ

ورد المصطلح لديه –دوكنز- في كتابه “الجين الاناني” ، بفكرة مفادها انه على غرار الجينات في التطور البيولوجي ، هناك تطور اخر هو ثقافي وإن الميمات هي أفكار أو سلوكيات أو أنماط تنتشر من شخص لآخر داخل ثقافة معينة، وتخضع لعملية تحوّل وتنافس وانتقاء الميمات وان الأفكار كنوع من الفيروسات، تنتشر أحياناً رغماً عن الحقيقة والمنطق مثل مجموعة الايموجي على وسائل التواصل او صور الانترنيت او المقاطع في التيك توك او الاختصارات وغيرها ، وأيضا يعمد كل منا ان ينشيء له ميمات شخصية وكثير من الأشياء تحمل فكرة الميمات في استخداماتنا يحاول منها التأثير او الاستجابة والتفاعل او الوقوع تحت تأثير الميمات المنشورة ، وهذا مانجده بشكل شائع في الانترنيت.

صورتي الشخصية في الموقع او البروفايل تشكل ميما شخصيا او نشري لصورة معينة يمكن ان يكون ميما.

نلاحظ انها أصبحت سمة ولدت كتطور ناشئ في هذا العصر المتسارع في التطور المُقتحَم بالافكار والصيغ الجديدة ، تستند إلى فكرة أن الثقافة يمكن اختزالها إلى دراسة الوحدات الثقافية – الميمات- اي ان الأفكار والسلوكيات والمعتقدات والتعبيرات التي تنتشر من شخص لآخر في ثقافة ما من خلال التقليد تصبح بدورها اللبنات الأساسية للبرمجيات الثقافية التي تشكل جهاز ادراكي رئيسي لأدوات الفهم لدينا ، تبنى من خلال المهارات والقدرات التي توفرها بشكل جماعي –الميمات الجماعية- ولكن هي بدورها أيضا ممكن ان تكون فردية ، بشكل عام فالإنسان تسكنه الميمات ويتأثر بها ويكونها أيضا ، لو ركزنا اكثر لوجدنا اننا نستخدم الميمات للفهم ، ومع ذلك فهي أيضا تستخدمنا لانها بداخلنا.

بالتالي فانها أصبحت حالة من ضرورات العصر الحديث كونها تأتي كبديل على تزعزع الرموز القديمة ذات التأثير الذي كانت تمارسه –أفكار او اعتقادات– أي انها حالة من الانسلاخ او الانفصال عن ميمات قديمة ، والمجتمع ذاهب الى صناعة الميمات والرضوخ لها كنوع من البديل الوجودي لاستمراره وليس الى تماسكه .

ان الكثير يعتقد ان الميمات تعني افكاراً غريبة وغير مفهومة وهذا ليس المعنى الحقيقي للمصطلح ، انما هي معلومات ثقافية معينة تأحذ اشكالا من التأثير والسلطة وينظر لها حاليا على انها شبيهة بالفايروسات بالانتقال والانتشار السريع..

وباعتبار انه ضمن الطروحات الحديثة جدا والتي دشنت منذ سنوات قليلة فانه ليست هناك ادبيات كثيرة حوله وقد لاتتسم بالاكتمال والنضوج باعتبار انه تخصص ناشئ في التطور الثقافي ، وهنا استثني الدراسات التي تم طرحها في أروقة الجامعات المرموقة مثل الأوراق البحثية التي تناولت مفهوم الميمتيكس في بعض الجامعات البريطانية مؤخرا.

رغم كل تلك التعاريف والشروحات الا انه ليس بالإمكان طرح مفهوم مبسط ومختصر للميمات رغم كل ذلك ، لانها تشكلات قد تكون معقدة تتسم بالتداخل والنظام الشبكي الذي هو ماهيتها وجوهرها.

الانسان نفسه مزيج معقد يتكون من ميراثه البيولوجي وبرمجته الثقافية تتوسطها التأثيرات بيئية – البيئة العائلية المجتمعية الدينية الاعتقادية…الخ-

بالنهاية يكون الفرد مكون من الجينات المؤثرة المتوارثة والمعلومات التي يحملها فيصبح الكل مزيج من الجينات ، والميمات تشكل مجموعة من التكافلات المعقدة بين الكائن الحي والمهارات الثقافية ، ثم تنتقل –الميمات- من شخص لآخر من خلال الملاحظة والتعلم الاجتماعي إما وجها لوجه أو عبر وسائل التواصل مثل الكتابة أو التلفزيون أو الإنترنت وأدوات أخرى ، لكنها بالوقت عينه هي بنى نرثها كبرمجة ثقافية ممن حولنا وتصبح هذه جزءاً من برمجاتنا الثقافية وبهذه الطريقة يتم نقل الميمات من عقل إلى آخر، وتصبح جزءاً منا ، كما لاننس دور اللغة والسياق والحديث والتداول اللغوي…الخ فهي أمثلة أساسية على تشكل الكثير من الميمات التي لا تقل أهمية ودور عن تلك التي تشكلها المهارات الجسدية أو الحركية والصورية، لأن الحركات الجسدية مهمة للثقافة مثل أنظمة المعتقدات لغة الجسد الايماءات الإشارات والتعبيرات الجسدية ، او المهارات الرياضية والفنية والحرفية؛ فكلها إلى حد ما قابلة للانتقال وبالتالي يمكن أن تشكل ميمات.

 

كيف تلد الميمات؟

ليس من الصعب ان نرصد الانطلاقة الأولى لأول حركة –ولادة-  MeMe من الافراد الى التقليد والاستهلاك المجتمعي لكن من الصعب ان نحلل الأرضية الفكرية التي يستند عليها، يمكن هنا ان نضع افتراضات قد تساعدنا على فهم ذلك على ان نميز بين الميمات المحلية المحصورة ضمن مجتمع محدد لاتخرج عنه ولاتنتقل الى مجتمع اخر ، او أخرى عالمية المؤثرة ككل ، فالمحلية  منها لايعني انها عالمية ، والميمات العالمية تؤثر في المحلية.

الميمات تنطلق:-

1-  من فرد واحد مؤثر في مجموعة بشكل تلقائي / غير تلقائي

2-  مجموعة افراد بالاتفاق تكون محلية بالعادة

3-  رمز مجتمعي عالمي او محلي يصبح ميم عالمي

النقطة الثالثة تشمل الزعماء –سياسة دين فكر- والغريب انهم وان كانوا المؤثرين في ولادة الميمات الا انهم لايخضعون للميمات التي ولدت اثرهم ، انما هم ضمن ميمات متفق عليها ضمن دائرة حضورهم وتأثيرهم ، لكن الميمات التي يدشونها تنتشر فورا وبسرعة كبيرة جدا في المجتمع ذات الصلة وتكون عادة عالمية وليست محلية وولادة الميمات هنا تعني التقليد الحرفي للزعيم فيصبح التقليد او النسخ ميم.

 

العمر الزمني للميمات

الميمات لاتعني انها قائمة للابد عبر التاريخ والازمان انما لها تاريخ صلاحية وتداول محدد ، قد نعرف الزمن الفعلي لولادتها الا اننا نجد ان زمن اندثارها قد يأخذ وقتا تدريجيا في اختفائها وولادة أخرى بديلة فالمجتمع بحاجة الى الميمات التي يعتقد انه من خلالها متحركا وليس ساكنا.

لاننس ان هناك ميمات متعلقة بنوع الجنس والفئة العمرية فهو ينشأ مع الفرد ببلوغه عمراً وهذه الميمات هي تمثلات لاشخاص ، كمثال لذلك (المسلسل الكوري والفتاة المتأثرة بابطالها وشخوصها وهن اللواتي لاتقل اعمارهن عن 12 وربما له تأثير لمن هن في الى 18 ايضا) فتأثير المسلسل –الكوري حصرا- يأخذ طابعا ميميا لدى فئة عمرية او جنس ، وهناك غيرها من الأمثلة يمكنك ان تجدها حال اسقاطك لمفهوم الميمات على الواقع الان.

حسب اجتهادنا نرى ان التقسيم الزمني للميمات يكون على هذا النحو:-

ميمات أيام أسابيع

ميمات شهر اشهر

ميمات سنة سنوات

نقصد بالتقسيم الزمني هنا هو العمر الفعلي الفاعل للميمات في المجتمع فمنها يستمر اياماً ويختفي واخر اكثر ، اما ميمات سنوات – فهذا النوع من الميميات ينقسم الى قسمين هما 1استهلاكي 2 فكري ، والثاني اخطره كونه طويل العمر ويفترض هنا انه يعمل على الانتقال ليكون ميم فكري داخل الانسان وليس تقليدا مجردا في حين ان النوع الأول استهلاكي الهدف منه امر اقتصادي محصور بالاستهلاك ، الا انني لم اعرف بالضبط للان كم عدد السنوات التي يبقى فيها الميم  وسافترض 10 للعمر الزمني للميمات تلك يليها ولادة بديل اقوى لكن هذا مجرد افتراض ليس الا تؤكده او تنفيه الدراسات التي ترصد الميمات كولادة واندثار.

 

شوكولا دبي كميم

ليس من المفروض تحليل الميمات على انها تجارية او تسويقية انما علينا في بادئ الامر ان نحللها على انها تحولت من النسق الذي انطلقت منه كتسويق وتجارة الى انها اخذت مكانه مجتمعية ، وهنا ساخذ مثال وهو:- شوكولا دبي – ألواح الشوكولاتة، تحتوي حشوته على قطايف والفستق تم تحضيره لأول مرة على يد شركة – Fix Dessert Chocolatier في مدينة دبي عام 2021حاولت ان تنافس ميمات الشوكولا السويسرية وان تكون علامة تسويق عالمية حيث ان الفترة بين الإنتاج وبين ولادة الميمات فيها كان بحدود 5 سنوات ففي نهاية عام 2025 وبداية2026 كان هناك مؤشرات ان شوكولا دبي ميم ، لكنها لم تنجح بالدرجة المثلى وأصبحت ميم محلي ينتشر ضمن بيئة محددة ولم تنتقل من المنحى الاستهلاكي الى ميم مستمر كما الشوكولا السويسرية فهي ليس عالمية ولم تقدر ان تدخل الى ذلك الصف وبقيت ضمن المحلية –استهلاك محصور – لم تنجح نجاحا مثمرا لتستمر ولم تستطيع ان تدخل الى خانة الميمات السنوية او السنوات ، وضمن التحليل اجد انها ضمن خانة الاسابيع والاشهر القليلة دخلت الى المنحى الهبوط السريع فهي شبه منتهية الصلاحية كميمات وربما الان ليست بالشهرة والاستهلاك كالسابق وفقدت ان تكون عنصر ميمي.

 

السيلفي كميم

السيلفي Selfie الصورة الذاتية الملتقطة ظهر وانتشر بسرعة كبيرة في المجتمع الإنساني بلا عائق لكننا هنا نلمح امرا هاماً ان كبار السن لم يرضخ العديد منهم لهذا النسق الميمي المجتمعي لان البنية العقلية لكبار السن تحمل ميمات تقع ضمن طبقتهم العمرية كجيل –ملبس مشرب تحدث سلوك- لكن حين ينبري العجوز وكبار السن لهذا النهج فإنه هنا يحاول ان يكون اكثر انتماء الى الطرح المجتمعي واكثر تمثلا للميمات المعاصرة ، لان ميماته القديمة دخلت الى منحنى الاندثار، وهو في حقيقته نوع من الاغتراب الفردي الذي يصارع العزلة المجتمعية ، وكأن الميمات هنا منقذا حقيقيا ينتشله من حالة الانفصال والاغتراب الى التمازج مع المجتمع.

 

هل الميمات كيانات؟

في سحر الفوضى هناك مصطلح يطلق عليه الكيانات الجماعية الواعية (Egregore) الكيانات الجماعية او الكيان الجماعي يعمل كمجموعة من الطاقة التي تصبح واعية بمثابة ميمات معقدة يقوم بها مجموعة من السحرة لتوليد طاقة اجريجوري والذي سيكون القوة المتولدة من مجموع الطاقات الجسدية والعاطفية والعقلية من معتقدات مشتركة لمجموعات من الناس لتكوين كيان -كينونة سحرية Memetic Magick .

ماذا نفهم من ذلك ؟ هذا يعني ان بعض الميمات ممكن ان تكون مُولدة من قبل مجموعة انشأت اجريجوري وظف لامر معين ليكون -ميمات- هذا الاجريجوري من الصعب نفيه او ايقاف الا من قبل من قاموا بانشأه بينما تضافر قوى لابطاله لايكون الا بتوليد اجريجوري مضاد وليس ابطال فعالية الاول لانه يستمد طاقة ديمومته ووجوده من مقلديه واتباع او مستهلكيه بنموذجه المطروح كواقع مادي.

 

ملخص المنشور

  • – شوكولا دبي – ألواح الشوكولاتة، تحتوي حشوته على قطايف والفستق تم تحضيره لأول مرة على يد شركة – Fix Dessert Chocolatier في مدينة دبي عام 2021حاولت ان تنافس ميمات الشوكولا السويسرية وان تكون علامة تسويق عالمية حيث ان الفترة بين الإنتاج وبين ولادة الميمات فيها كان بحدود 5 سنوات ففي نهاية عام 2025 وبداية2026 كان هناك مؤشرات ان شوكولا دبي ميم ، لكنها لم تنجح بالدرجة المثلى وأصبحت ميم محلي ينتشر ضمن بيئة محددة ولم تنتقل من المنحى الاستهلاكي الى ميم مستمر كما الشوكولا السويسرية فهي ليس عالمية ولم تقدر ان تدخل الى ذلك الصف وبقيت ضمن المحلية –استهلاك محصور – لم تنجح نجاحا مثمرا لتستمر ولم تستطيع ان تدخل الى خانة الميمات السنوية او السنوات ، وضمن التحليل اجد انها ضمن خانة الاسابيع والاشهر القليلة دخلت الى المنحى الهبوط السريع فهي شبه منتهية الصلاحية كميمات وربما الان ليست بالشهرة والاستهلاك كالسابق وفقدت ان تكون عنصر ميمي.
  • ورد المصطلح لديه –دوكنز- في كتابه “الجين الاناني” ، بفكرة مفادها انه على غرار الجينات في التطور البيولوجي ، هناك تطور اخر هو ثقافي وإن الميمات هي أفكار أو سلوكيات أو أنماط تنتشر من شخص لآخر داخل ثقافة معينة، وتخضع لعملية تحوّل وتنافس وانتقاء الميمات وان الأفكار كنوع من الفيروسات، تنتشر أحياناً رغماً عن الحقيقة والمنطق مثل مجموعة الايموجي على وسائل التواصل او صور الانترنيت او المقاطع في التيك توك او الاختصارات وغيرها ، وأيضا يعمد كل منا ان ينشيء له ميمات شخصية وكثير من الأشياء تحمل فكرة الميمات في استخداماتنا يحاول منها التأثير او الاستجابة والتفاعل او الوقوع تحت تأثير الميمات المنشورة ، وهذا مانجده بشكل شائع في الانترنيت.
  • نلاحظ انها أصبحت سمة ولدت كتطور ناشئ في هذا العصر المتسارع في التطور المُقتحَم بالافكار والصيغ الجديدة ، تستند إلى فكرة أن الثقافة يمكن اختزالها إلى دراسة الوحدات الثقافية – الميمات- اي ان الأفكار والسلوكيات والمعتقدات والتعبيرات التي تنتشر من شخص لآخر في ثقافة ما من خلال التقليد تصبح بدورها اللبنات الأساسية للبرمجيات الثقافية التي تشكل جهاز ادراكي رئيسي لأدوات الفهم لدينا ، تبنى من خلال المهارات والقدرات التي توفرها بشكل جماعي –الميمات الجماعية- ولكن هي بدورها أيضا ممكن ان تكون فردية ، بشكل عام فالإنسان تسكنه الميمات ويتأثر بها ويكونها أيضا ، لو ركزنا اكثر لوجدنا اننا نستخدم الميمات للفهم ، ومع ذلك فهي أيضا تستخدمنا لانها بداخلنا.
  • النقطة الثالثة تشمل الزعماء –سياسة دين فكر- والغريب انهم وان كانوا المؤثرين في ولادة الميمات الا انهم لايخضعون للميمات التي ولدت اثرهم ، انما هم ضمن ميمات متفق عليها ضمن دائرة حضورهم وتأثيرهم ، لكن الميمات التي يدشونها تنتشر فورا وبسرعة كبيرة جدا في المجتمع ذات الصلة وتكون عادة عالمية وليست محلية وولادة الميمات هنا تعني التقليد الحرفي للزعيم فيصبح التقليد او النسخ ميم.
  • كان فكرتي ان اكتب هذا المقال عن مفهوم الميمات وابين العلاقة بينها وبين احد مرتكزات مدرسة سحر الفوضى وهو انشاء الكيانات الجماعية(Egregore) الا انني ارتأيت ان يكون اكثر توضيحا للمفهوم والمصطلح وللتداخلات الاجتماعية التي يتجلى فيها وربما وانوه بعجالة عن التداخل او التشابك الذي يمكننا ان نلحظه في الميمات على انها كيانات جماعية كم شرحتها مدرسة الفوضى.

اكتشاف المزيد من شريف هزاع

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.