القسم الخامس : اكمال مفاهيم الهيتروتوبيا
لم انتبه وانا اكتب الى انني تشعبت كثيراً في الموضوع فكان علي ان احذف العديد من الفقرات والتحليلات والعينات المكانية بهدف اختصار المقال وجعله مكثفا بنفس الوقت كي يكون الاخير حتى اختم موضوع جغرافية الاماكن الروحية ، ربما لم انجح في هذا كما انه اصبح اكثر طولا من سابقيه ، بالرغم من اني حذفت الكثير من الاقتباسات والتحليلات وتراجعت عن كتابة الكثير كي لا اخرج عن موضوع فوكو فقد تشعب القلم الى ان اطرح افكار نهاية التاريخ – نظرية فوكوياما- على انها النظرة الامريكية البغيضة لليوتوبيا ، لان فوكوياما يعتقد ان العصر الحالي هو عصر تحقق المدينة الفاضلة الفعلي التي لم تتحقق كخيال طوباوي في الماضي ، بل من خلال الولايات المتحدة كنظام عالمي جديد ، حققت اليوتوبيا – عصر يوتوبي – من خلال الليبرالية والحريات والرأسمالية التي انتصرت على المعسكر الاحمر وهي عصر الديمقراطية كنظام عالمي ، فاذا بي استجلب ارض الميعاد او الارض المختلقة من قبل (الصمفونية) وتزوير التاريخ من ثلة المشردين والمسبيين الذين ادبهم نبوخذنصر وولادة المكان لديهم ، واختلاق ارض يوتوبية لهم من انقاض الديستوبيا التي يتعمدونها باراضي الاخرين ، او ان يوتيوبيتهم مؤسسه على الديستوبيا….الخ وكان لزاما ان اعرج الى الفيلسوف الكبير زيجمونت باومان ورؤيته او طرحه لمفهوم حمل اسم كتاب Retrotopia لم يترجم الى العربية حسب ظني ، يقدم لنا فيه معالجة للمكان بشكل مختلف وملفت للنظر.
ريتروتوبيا يرى انها صيغة التفكير بالحنين إلى الماضي التي تأتي كسمة رئيسية في اليوتوبيا المعاصرة ، مؤكدا اننا فقدنا منذ زمن بعيد إيماننا بفكرة أن البشر قادرين على تحقيق السعادة الإنسانية في دولة مثالية مستقبلية ــ التي ربطها بدولة توماس مور وبالطوبولوجيا ، أو المكان الثابت، أو أرض، أو جزيرة، أو دولة ذات سيادة تحت حكم حكيم وخير ، وفي حين فقدنا إيماننا باليوتوبيات من كل الألوان ، فإن الطموح البشري الذي جعل هذه الرؤية مقنعة إلى هذا الحد لم يمت ، بل إنه ينبثق اليوم من جديد كرؤية لا تركز على المستقبل بل على الماضي ، لا على مستقبل ينبغي خلقه بل على ماض مهجور وغير ميت يمكننا أن نسميه “الرجعية” وربما ينطبق كل ماقاله باومان او بامكاننا تصنيفه برؤيتنا للاتقسيم الذي قدمه فوكو للهيتروتوبيا انها:-
1- هيتيروتوبيا الوهم
2- هيتيروتوبيا التعويض
على ضوء فكرة الوهم والتعويض ألغيت تحليلي للمدينة المائية والاستجمام وكابادوكيا وشامبالا وطقس الدخول لبعض المعابد وتحليل عنصر الصوت بالفضاء ، والجنائن المعلقة ، وبيوت الطين لدى المعماري الكبير حسن فتحي وعمارة الحداثة ومابعد الحداثة ومثالية الامريكان المصطنعة باختلاق مدينة يوتوبية مؤسسة على انفاق الصرف الصحي – الحسناء والوحش Beauty and the Beast– والكثير غيرها ستحتاج مني الى اربعة اقسام اخرى ، اذن دعنا انهي كل شيء بالقسم هذا الان حتى نقول وداعاً الى اللقاء..
اولا
خلال المقالات السابقة طرحنا مصطلحات تعتبر محاور هامة في المبحث وهنا اريد ان اخلق ممارسة فكرية وفلسفية لدى القاريء وذلك من خلال ان يقوم بممازجة بين تلك المصطلحات او معالجة التداخل بينها لو جمعناها معا ، ربما اريد من هذا ان تكون انت رؤى اخيرة او لتكتب انت مقالا بالنيابة عني او بما فاتني ذكره او نسيته .
كانت المصطلحات التي اوردناها في المقالات السابقة:-
المكان – الزمان – الابعاد الثلاثة – الاقليدية واللااقليدية – الطوبولوجيا – اليوتوبيا – الديستوبيا – الهيتروتوبيا…الخ ، لنفكر مجددا بتلك المفردات والمصطلحات الفكرية و الفلسفية العميقة ، ولنعمل على طرح التساؤلات على ان يكون مصطلح المكان هو الرئيس في المزاوجة.
اذا كان المكان اليوتوبي موجود كمواقع مادي فأين يقع ، ماهي طوبولوجيته؟
كيف نجعل للمكان اليوتوبي امكانيات للقياس والرصد رغم انه عمل تخيلي افتراضي؟
اذا كان المكان اليوتوبي موقعه نفسي وليس مادي ، فما هي عناصره المؤسسة؟
كيف يتحول المكان من ديستوبيا الي هيتروتوبيا؟
كيف نعثر على اجزاء من اليوتوبيا في الهيتروتوبيا؟
واسئلة اخرى تشكل علامات استفهام تستحق التفكير..
فكر انت بهذه الاسئلة لاحقا ، ولنكمل القسم السابق حول الهيتروتوبيا ، هذا المصطلح كما نوهنا يرجع للمفكر الفرنسي ميشيل فوكو ، مشتق من اليونانية “heteros” ، تعني اخر او مختلف او مغاير و”topia” ، تعني المكان ، اذن الهيتروتوبيا هي الاماكن الاخرى المغايرة – يوتوبيا مغايرة – او التي تصنف بعض الاماكن والمساحات الفضائية في المكان على انها اماكن متغيرة المفاهيم وقابلة للتغير ايضا ، وهذا المصطلح نسج بارع من فوكو الذي يعالج خلل المدينة الفاضلة عند توماس مور التي يصفها على انها مجتمع مثالي قائم بذاته يعمل الجميع فيها بشكل متآزر ومتعاون ومتكامل من أجل الصالح العام ولا توجد مشاكل او مواجهات او اضطرابا بين سكانها مطلقا ، وهنا يظهر الطرح الفوكوي ، الذي يرى انها – اليوتوبيا- ضرب من الخيال اللاواقعي واللامادي فاليوتوبيا التي تخلو من المشاكل ليس فيها مخالفات قانونية وجريمة ، اذن ليس فيها بالنتيجة سجون ، هنا يعتبر فوكو ان السجون اماكن موجودة فعلا لكنها مضادة لليوتوبيا متغايرة مضادة وعلائقية وانها هيتروتوبية ويجد ان اليوتوبيا مواقع ليس لها مكان حقيقي فعلي ومادي بل انها مواقع ومساحات ليس لها فضاء حقيقي اما الهيتروتوبيا فهي واقعية لكن لها مفاهيمها ومبادئها وعناصرها المكونة ، فهي تحتوي على جميع جوانب المجتمع التي ليست مثالية ، والتي تشكل تهديدا للمثل الطوباوية ، فوكو يجد ان المدينة الفاضلة كانت اسقاطا لحالة فكرية في الماضي وايضا سقطت امام القرن الحديث.
ثانيا
اسس الهيتروتوبيا لدى فوكو
ترتكز فكرة الهيتروتوبيا لدى فوكو على ركائز ست ساعتمد على ترجمة مقال فوكو المعنون (اماكن اخرى) الذي نشر في العراق عن مجلة افاق عربية / السنة السابعة عشر – العدد 8 – 1992 بترجمة رعد محمد مهدي واجدها افضل وادق ترجمة مقارنة بما نشر بعدها من تراجم وجدت منها على شبكة الانترنيت.
وهي:-
1- اليوتوبيا المغايرة تأخذ عدة أشكال مختلفة في غاية التنوع.
2- تعمل وفق غرار مختلف للغاية ، ولكل هيترتوبيا وظيفة محددة ومقررة داخل المجتمع.
3- ان الهيتروتوبيا قادرة على ان تجمع في مكان واحد عدة اماكن مختلفة لا يتواءم الواحد منه مع الاخر.
4- الهيتروتوبيات ترتبط باجزاء من الزمن.
5- الهيتروتوبيات تفترض مسبقا وعلى الدوام نظاماً من الانفتاح والانغلاق.
6- السمة الاخيرة للهيتروتوبيا انها تعمل على الاتصال بكامل المكان المتبقي
وكل ركيزة شرحت من قبل فوكو وفيها العديد من التفاصيل يطول شرحها الا انني ساخذ واحدا من تلك الركائز كمثال ولنقل الركيزة الرابعة وكيف تناولها فلسفيا فوكو حسب المحاضرة ولان شرحها مطول ساخذ جزء بسيط منه.
” الهيتروتوبيات غالباً ما ترتبط بأجزاء من الزمن أو بكلمات اخرى ، انها تنفتح نحو ما يمكن تسميته المسميات – طلباً للتوافق
بـ (الهيتروكرونيز Heterochronies) الأزمنة المغايرة .
فالهيتروتوبيا تبدأ بالعمل وفق طاقتها القصوى حين يبلغ الناس ضرباً من توقف مطلق مع زمنهم التقليدي .
وتكشف لنا هذه الحالة بأن المقبرة مكان في غاية الهيتروطوباوية بالتأكيد لأنها – فيما يتصل بالفرد – تبدأ بذلك الزمن المغاير الغريب ، فقدان الحياة وبشبه الأبدية هذا ، وفيه يكون نصيبها الدائم التفسخ والتلاشي”
انتهى الاقتباس
اخذت هذا الاقتباس كوني اراه اهم فقرة قالها فوكو في محاضرته والتي توصلني اخيرا الى جغرافية الاماكن الروحية ، فهنا بهذا الاقتباس نريد ان نسقط الكلمات على فكرة الاماكن الروحية لنجد:-
1- ترتبط باجزاء من الزمن
2- ترتبط بالتوقف عن الزمن التقليدي للافراد
لو اننا الان اخذنا فحوى المكان الروحي كل حسب اعتقاده ومذهبه ودينه واحساسه بالاماكن تلك في الكنيسة او الجامع او المكان الاثري او الفضاءات المغايرة وطبقنا عليها العلاقات الزمنية والتوقف او التباطيء الزمني او الانتقالات الزمانية ، فهي كلها حدثت بفعل طاقة المكان ، كونه مرتبط بالزمن وان المكان الحديث او العمارة المعاصرة عولت على انشاء الكتلة وعلاقتها بالفراغ وتناست البعد الرابع ، تلاشى فيها جغرافية الاماكن الروحية ، وبقيت تلك الاماكن الروحية مرتبطة بالاماكن القديمة او الاثرية او حتى البسيطة التي يمكن خلقها من مفردات تتسم بالبساطة لكن حضورها الطاقي – الروحي- كبير جدا..
ختاماً
رجوعا الى فوكو وفلسفته عن المكان نجد تنويهات منه ان المكان قديما كان وفق تقسيم هرمي هو:-
الأماكن المقدسة : المؤسسات الدينية مثل الكنائس والكاتدرائيات والمعابد.
الأماكن الدنيوية : المؤسسات الدنيوية مثل الأسواق أو المنازل.
الأماكن المحمية : المواقع المحصنة لتوفير الأمن ضد التهديدات الخارجية.
الأماكن المكشوفة : المواقع التي تفتقر إلى التحصينات، مثل الغابات أو الحقول المفتوحة.
الأماكن الحضرية : المناطق ذات التركيز العالي من السكان.
الأماكن الريفية : المناطق ذات التركيز المنخفض من السكان.
وكنت قد بينت سابقا رؤية وتحليل المكان من منطلق فلسفي لايخرج عن الفكر الاركولوجي لفوكو وبينت ذلك تحت اسم الرؤية الغنوصية او الهرمسية التي ترى وفق نظرتها الكونية ان تصنيف المكان يقسم الى ارضي وسماوي وانه اذا وجد تطابق بين الارض وعلاقة السماء او القبة السماوية فإن المكان الارضي يعتبر يوتوبي ولمدن المخفية عن الناظر كونها خلف الابعاد المكانية جزء من الميثولوجيا التي لازال يؤمن بها وبوجودها الكثير – المدينة المثالية – وهي اماكن خارقة للطبيعة او بمصطلح فلسفي يوتوبيا..
ملخص المنشور
- لم انتبه وانا اكتب الى انني تشعبت كثيراً في الموضوع فكان علي ان احذف العديد من الفقرات والتحليلات والعينات المكانية بهدف اختصار المقال وجعله مكثفا بنفس الوقت كي يكون الاخير حتى اختم موضوع جغرافية الاماكن الروحية ، ربما لم انجح في هذا كما انه اصبح اكثر طولا من سابقيه ، بالرغم من اني حذفت الكثير من الاقتباسات والتحليلات وتراجعت عن كتابة الكثير كي لا اخرج عن موضوع فوكو فقد تشعب القلم الى ان اطرح افكار نهاية التاريخ – نظرية فوكوياما- على انها النظرة الامريكية البغيضة لليوتوبيا ، لان فوكوياما يعتقد ان العصر الحالي هو عصر تحقق المدينة الفاضلة الفعلي التي لم تتحقق كخيال طوباوي في الماضي ، بل من خلال الولايات المتحدة كنظام عالمي جديد ، حققت اليوتوبيا – عصر يوتوبي – من خلال الليبرالية والحريات والرأسمالية التي انتصرت على المعسكر الاحمر وهي عصر الديمقراطية كنظام عالمي ، فاذا بي استجلب ارض الميعاد او الارض المختلقة من قبل (الصمفونية) وتزوير التاريخ من ثلة المشردين والمسبيين الذين ادبهم نبوخذنصر وولادة المكان لديهم ، واختلاق ارض يوتوبية لهم من انقاض الديستوبيا التي يتعمدونها باراضي الاخرين ، او ان يوتيوبيتهم مؤسسه على الديستوبيا.
- فكر انت بهذه الاسئلة لاحقا ، ولنكمل القسم السابق حول الهيتروتوبيا ، هذا المصطلح كما نوهنا يرجع للمفكر الفرنسي ميشيل فوكو ، مشتق من اليونانية “heteros” ، تعني اخر او مختلف او مغاير و”topia” ، تعني المكان ، اذن الهيتروتوبيا هي الاماكن الاخرى المغايرة – يوتوبيا مغايرة – او التي تصنف بعض الاماكن والمساحات الفضائية في المكان على انها اماكن متغيرة المفاهيم وقابلة للتغير ايضا ، وهذا المصطلح نسج بارع من فوكو الذي يعالج خلل المدينة الفاضلة عند توماس مور التي يصفها على انها مجتمع مثالي قائم بذاته يعمل الجميع فيها بشكل متآزر ومتعاون ومتكامل من أجل الصالح العام ولا توجد مشاكل او مواجهات او اضطرابا بين سكانها مطلقا ، وهنا يظهر الطرح الفوكوي ، الذي يرى انها – اليوتوبيا- ضرب من الخيال اللاواقعي واللامادي فاليوتوبيا التي تخلو من المشاكل ليس فيها مخالفات قانونية وجريمة ، اذن ليس فيها بالنتيجة سجون ، هنا يعتبر فوكو ان السجون اماكن موجودة فعلا لكنها مضادة لليوتوبيا متغايرة مضادة وعلائقية وانها هيتروتوبية ويجد ان اليوتوبيا مواقع ليس لها مكان حقيقي فعلي ومادي بل انها مواقع ومساحات ليس لها فضاء حقيقي اما الهيتروتوبيا فهي واقعية لكن لها مفاهيمها ومبادئها وعناصرها المكونة ، فهي تحتوي على جميع جوانب المجتمع التي ليست مثالية ، والتي تشكل تهديدا للمثل الطوباوية ، فوكو يجد ان المدينة الفاضلة كانت اسقاطا لحالة فكرية في الماضي وايضا سقطت امام القرن الحديث.
- الخ ، لنفكر مجددا بتلك المفردات والمصطلحات الفكرية و الفلسفية العميقة ، ولنعمل على طرح التساؤلات على ان يكون مصطلح المكان هو الرئيس في المزاوجة.
- ” الهيتروتوبيات غالباً ما ترتبط بأجزاء من الزمن أو بكلمات اخرى ، انها تنفتح نحو ما يمكن تسميته المسميات – طلباً للتوافق .
- وتكشف لنا هذه الحالة بأن المقبرة مكان في غاية الهيتروطوباوية بالتأكيد لأنها – فيما يتصل بالفرد – تبدأ بذلك الزمن المغاير الغريب ، فقدان الحياة وبشبه الأبدية هذا ، وفيه يكون نصيبها الدائم التفسخ والتلاشي”.
اكتشاف المزيد من شريف هزاع
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

