ماريا سابينا (قديسة الفطر)

بؤرة التحول
في عام 1955 قام الأمريكي ر. غوردون واسون وزوجته فالنتينا بافلوفنا واسون ، المتخصصة الروسية في اللغات السلافية ، برحلة إلى هواوتلا دي خيمينيز بحثاً عن تجارب مع الفطر المهلوس ، حيث ان واسون كان مهتما بالنباتات والمهلوسات النباتية في عائلة الفطر ، بالرغم من انه بدرجة دكتوراه في علم الاقتصاد وكان يعمل مصرفياً مرموقاً الا ان ولعه الكبير كان منصبا في النباتات والاعشاب وبات خبيراً فيها.
في تلك المدينة في جنوب المكسيك التقيا بامرأة معالجة هي ماريا سابينا ، وشارك واسون في أمسية أدارتها سابينا مما جعله ينبهر بشدة بقدراتها الشامانية وقدرتها على إحداث التغيير، مما شكّل نقطة تحول في حياة واسون بالكامل والذي كان دافعا اقوى قاده إلى استكشاف عميق للنباتات المهلوسة ودورها في الثقافات الأصلية.
بعد زيارته للمكسيك قام واسون بنشر مقال في مجلة لايف بتاريخ ، 13 مايو 1957 بعنوان “البحث عن الفطر السحري” وهنا حدثت القصة وانتبه العالم الى سابينا التي اثر هذا المقال التعريفي تعرضت هي وأهلها لاهتمام غير مرغوب فيه من الزوار الجدد والصحافة والمغامرين والمدمنين وزادت السياحة بشكل ملحوظ في هواوتلا دي خيمينيز، فشعرت ماريا سابينا بالاستغلال والخيانة من قبل الباحثين عن تجارب مخدرة دون فهم السياق الثقافي والروحي لممارساتهم وهذا كان احد اهم الإشكالات الذي عانته سابينا ، فبعد المقال ذاك انقلبت حياتها رأساً على عقب، فسرعان ما وجدت نفسها محاطة بزوار من بلاد بعيدة وبلدان وثقافات مختلفة وغريبة عليها طابعا او سلوكاً وكانت لا تجيد القراءة والكتابة لكن بسبب خبرتها تلك زارها العديد من المشاهير طلباً لحكمتها وشاركوا في طقوس تناول الفطر المهلوس منهم الكاتب والشاعر الأمريكي ألين جينسبيرج ، وكتب عن تجاربه ودونها في “رسائل ياج” ، والمصور وعالم النبات الفرنسي جان بيير لافيت ، الذي وثّق لقاءاته مع الشامان بالصور، وعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي الشهير تيموثي ليري ، الذي زار هواوتلا عام ١٩٦٠، وأجرى تجارب على الفطر المخدر تحت إشراف سابينا هذا الامر ساهم بشكل كبير في تنامي الاهتمام الغربي بالاستخدام الطقسي للفطر المقدس (الفطر السحري) ، وبشخصية ماريا سابينا كمعالجة شامانية كما وزارها البيتلز ، اما ووالت ديزني فزارها 6 مرات ونجد من بين الزوار الكاتب ألدوس هكسلي ، وكل هذا بكفة امام فرق العلماء والأطباء وعلماء النفس والباحثين زاروها بحثاً عن المزيد من المعرفة ودراسة تأثير المهلوسات على الجسم..

المرأة مسكينة
سابينا طيبة القلب هادئة كانت بخير وهي بعيدة عن ترسانة السلوكيات الغربية غير المنضبطة والأفكار التي تحاول ان تشرب أي مخدر بحثا عن الله والعجائبية والروحانية ، باعتقادهم انهم فقدوه وانه بالمهلوسات يعثروا عليه مجددا ، هذا ما دفع الكثير من الأجانب الوصول الى هواوتلا للانغماس بعالم النشوة القشة التي لم تقصم ضهر سابينا زادتها تحملا وهي واقعة اودعتها السجن ..
المسكينة سابينا حضر لديها شخصان لمشاركتها طقس الفطر وقامت بذلك واذا بهما يصرعان كممسوسين ويركضون في المدينة واعينهم شاخصة للاعلى ويرطنون بكلمات غير مترابطة ولا مفهومة مما اثار ضجة بالمدينة وصل الى اتهامها انها تتاجر بالمخدرات ، فأودعت السجن وأصبحت بين القضبان ، اثر ذلك تحرك العديد من علماء الانثربولوجيا المرموقين لمخاطبة الرئيس المكسيكي شخصياً الرئيس خوسيه غييرمو لوبيز يتلمسوا العفو عن سابينا ، وطلبوا منه إطلاق سراحها ، حيث كان عمر العجوز وقتها قد لامس ال80 عاما..

 

فلاش باك
ولدت المعالجة ماريا سابينا عام 1894في جنوب المكسيك في مدينة هواوتلا دي خيمينيز ، في جبال سييرا دي أواكساكا ، جنوب المكسيك كانت عائلتها من جهة والدها متمرسة في علم الشفاء ، وكانوا يُعتبرون من الشامان فهم من شعب المازاتيك هم السكان الأصليون للمكسيك الذين يسكنون سييرا مازاتيكا في ولاية أواكساكا ولم تكن من مفردات المازتيكية شيء يسمى الكتابة لذا لم تكتب حرفاً لانه لااتعرف القراءة والكتابة ولا تعرف الإنجليزية ولا الاسبانية سوى لغتها المازتيكية.
صدم المحبين والعالم بخبر ان سابينا في مركز القلب طريحة الفراش بسبب سوء التغذية الحاد ، خبر صادم ، كيف لاشهر معالجة ان تعاني من الجوع ؟!
زارها ما ان سمع الخبر كبار الشامان والزوار املاً ان تشفى وتعود لهم ، لكن ما لاتعرفوه أيها السادة ان الفقر والجوع والامراض إضافة الى مقتل ابنها وحرق منزلها من قبل بعض القرويين الغاضبين منها لانها جاءت بالغرب اليهم جعلها تقول:-
ان الموت يقترب لقدت ولدت فقيرة وسأموت فقيرة
توفيت عام 1984 عن عمر ناهز 91 سنة.


أيام الطفولة
توفي والدها وهي في الثالثة من عمرها ، مما اضطر من أمها ان تتركها هي واختها ماريا آنا في كفالة جدها من جهة والدتها وعاشتا في فقر وعوز كبير مما اضطراهما لمساعدة بيت الجد في تربية ديدان القز في المزرعة والاعمال المنزلية.
في سنة ما من عمرها مرض عمها وكان هناك معالجا شامانيا يعالج بالفطر قام بعلاجه وشفائه مما اثار فضولها ومن تلك التجربة قررت وهي طفلة مع اختها ماريا ان ان تذهبان عند احد التلال الذي يتواجد فيه الفطر فقامتا بتناوله وضحكا كثيرا وبكيا ومن هنا بدأت حكاية سابينا قديسة الفطر.
في الرابعة عشرة من عمرها، تزوجت من سيرابيو مارتينيز، وأنجبت منه ثلاثة أطفال وانضم زوجها إلى الثورة المكسيكية وعندما عاد توفي بعد فترة وجيزة فترملت بعد زواج دام 6 سنوات ، وبعدها تمرض بسبب وضعها النفسي والمادي فقدت اثرها الحركة ولم يعرف احد علاج لها ، لكنها انتبهت الى تجربة الفطر ، وكأن وحي بخاطرها خاطبها بالقول:-
اعبدي الله ، تشفي الاخرين..
رجعت للعمل لتعيل اطفالها وامها ، وكانت بائعة متجولة في الحقول ، وأجرت بعض العلاجات لكن اضطرت الى تركها وبدأت تنساها..
بعد ترملها ب10 سنوات او اكثر ظهر بحياتها رجل اخر وتزوجا الا انه كان رجلا سيء الطباع سكير ثمل يعاملها باذلال وعنف وضربها كثيراً رغم انها رزقت منه ب6 أطفال كلهم ماتوا باستثناء ابنتها اورورا في تلك الفترة العصيبة من حياتها مرضت اختها ماريا آنا مرض قال كل معالج جاء لعلاجها ان يستعدوا لموتها هنا صدمت سابينا فاختها قد تفارق الحياة ، فقررت سابينا إقامة طقس شفائي بالفطر.. والمعجزة كانت هي:-
آنا شُفيت

انا امرأة المهرج
يطلق الشامان على الفطر المهلوس كلمة (المهرج الصغير) لكن سابينا قالت انهم صغار من القديسين ، فكانت تحمل صغارها في المدينة وفي جيوبها ، رغم انها قالت عن الفطر انه مقدس ، قالت للشامان لابأس انا امرأة المهرج.
كانت سابينا تقول شعرا مغنى عن الفطر المهلوس ، وقد ترجم الى الإنكليزية والاسبانية ، والعلاج بالفطر لدى سابينا وهو (فطر السيلوسيبين) ، وقد كان على اثر معالجتها لاختها آنا ، ان ينتشر الخبر بسرعة البرق في ارجاء المدينة لكن للاسف زاد من غضب وحنق زوجها عليها فزاد من عدائيته وقسوته وعنفه ، لكن الاقدار تدخلت بسرعة ، فكان رجلا خائنا سكيرا ، قتله بليلة وضحاها أبناء احد عشيقاته لتصبح ارملة من جديد.
هنا كرست سابينا نفسها بالكامل للشفاء بالفطر فقد منحتها تجارب الحياة القاسية ان يكون لها رسالة هي (الشفاء) وأصبحت معالجة مشهورة في منطقتها وعالجت المشاكل العاطفية والإدمان والامراض المتعددة بل وحتى المشاكل العائلية.
اثر دورها العلاجي والإنساني الكبير أصبحت سابينا من اعظم الشخصيات المقدسة والمحترمة المرموقة في المكسيك ومدينتها التي اعترضت رغم اعترافهم بانها اقوى معالجة ، كما وتعتبر اعظم شاعرات المكسيك التي كانت تغنيه شفهيا تعبر فيه بتلقائية رائعة عن روحها الجميلة.

عالج نفسك بنور الشمس وأشعة القمر،
بصوت النهر والشلال،
بتمايل البحر وهدير الطيور.
عالج نفسك بالنعناع، والنيم، والكالبتوس.
قم بتحلي نفسك باللافندر وإكليل الجبل والبابونج.
عانق نفسك بحبوب الكاكاو مع لمسة من القرفة.
ضع الحب في الشاي بدلاً من السكر، وتناوله وأنت تنظر إلى النجوم.
عالج نفسك بالقبلات التي تمنحها لك الرياح وعناق المطر.
كن قوياً بأقدامك العارية على الأرض ومع كل ما يولد منها.
كن أكثر ذكاءً كل يوم من خلال الاستماع إلى حدسك، والنظر إلى العالم بعين جبهتك.
اقفز، ارقص، غنِّ، حتى تعيش حياة أكثر سعادة.
عالج نفسك بالحب الجميل، وتذكر دائماً: أنت الدواء.


كورانديرا
مصطلح كورانديرا يشير إلى المعالج التقليدي من أمريكا اللاتينية ، وهو نهج علاجي شامل يجمع بين عناصر من المعتقدات المحلية، وعلم الأعشاب، والروحانية ويعرفون في مجتمعاتهم بقدرتهم على تشخيص وعلاج مجموعة من الحالات، الجسدية والروحية. غالباً ما تتضمن ممارساتهم الصلاة، والطقوس، والعلاجات العشبية وممارسة الطاقة الروحية حيث انهم وسطاء يتجاوز دورهم العلاجي الجسدي الى المستشار الروحي او القائد روحي وهذا ينطبق على سابينا بالضبط ولكن هذا الجزء من مقالي ساتركه الان لانه اكثر تخصصاً في العلاجات الشامانية لامريكا الوسطى.

قالت ماريا سابينا:-
أنا حكيمة منذ ان كنت برحم امي.
أنا امرأة الرياح، امرأة الماء، امرأة الطرق، معروفة في السماء، لأني طبيبة.

ملخص المنشور

  • عانق نفسك بحبوب الكاكاو مع لمسة من القرفة.
  • كن أكثر ذكاءً كل يوم من خلال الاستماع إلى حدسك، والنظر إلى العالم بعين جبهتك.
  • عالج نفسك بالقبلات التي تمنحها لك الرياح وعناق المطر.
  • ضع الحب في الشاي بدلاً من السكر، وتناوله وأنت تنظر إلى النجوم.
  • كن قوياً بأقدامك العارية على الأرض ومع كل ما يولد منها.

اكتشاف المزيد من شريف هزاع

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.