الخروج من بغداد

اعتدت بعد خروجي من معسكر الرشيد للتدريب الذي كنت فيه ادرس فاحص عتاد ، ان استقل حافلة الركاب الحمراء في بغداد  TATAدون النظر اين تذهب ، اخرج لفائف التبغ التي كنت اعدها فجرا واضعها في محفظة بلاستيكية ، ودفتري الصغير ، اشاهد واكتب يوميات ساذجة وجادة ، سمينة او نحيفة مثلي ، ادون كلماتي عن الرجال والنساء وألاطفال الذين اشاهدهم من خلف نافذة الحافلة البطيئة ، واكتب المواقف او افكار تحضر ذاكرتي من قراءتي السابقة وانطباعاتي فيها ، ربما كان طقسا للهروب من تيار الزمن الموحش الذي أحاول عقد صداقات معه ليكون اخف وطأة مما هو عليه..

ورقة من دفتري الصغير 1

تقنيات تيار الوعي الذي برعت فيه فرجينيا وولف والسرديات القصصية الحديثة التي درشنها في الرواية الحديثة الن روب غرييه كانت من اهم المحطات التي تمتعت في المكوث بها لكن من اخطائي التي اعترف بها انني حين اردت ان اكتب رواية ومسوداتها لازالت في مكتبي ضعت باختيار أسلوب الكتاب فتسرقني الواقعية وتسحبني السحرية الواقعية ، واحن الى تعقيدات غرييه ، فوجدتني فاشلا بامتياز في كتابة صفحة من روايتي اليتيمة ، ولكني اجيد مطالعة الروايات وربما كتبت في دفتري الذي كنت اضعف في جيبي الكثير من الافكار الجيدة لكنها طمست لاني كنت اصطاد البعوض المزعج في كثير من المرات باطباق الدفتر عليها..

اه ليتني لم اقتل البعوض!

 

ورقة من دفتري الصغير 2

رفضت ان يكون مكوثي كسكن في قاعات معسكر الرشيد وفضلت ان أكون في سكن مستقل ، شاركني فيه احد الأصدقاء .. العام 1994سكنت في فندق قريب من شارع المتنبي ، وحين كنت ارجع الى سكني كنت اعرج مشياً على شارع المتنبي القريب من الفندق ، اطالع عناوين الكتب ، واحيانا اشتري كتابا صغيرا اتسلى به او اخذه معي الى المعسكر واطويه تحت البزة العسكرية لكي لا اثير غضب الضابط ، اذكر جيدا ان في مرة وانا اطالع الكتب على الارصفة رق قلب البائع لانه وقال لي خذ اي كتاب يعجبك مجاناً! وقتها جحظت عيناي وقلت :- لما؟ .. قال انت جندي مسكين تراك لاتملك مالا لتأكل وتمحي الجوع بكلمات الكتب..

 

ورقة من دفتري الصغير 3

اذهلني عالم الرواية كدت اصاب بالجنون حين كان ابطال الروايات يزورونني في الاحلام واحلام اليقظة ، من هوسي علق في ذهني احدهم ، ولم استطع التخلص منه ، فاقتحم حياتي ولم يتركني ابدا لاشهر طويلة ثم وضع علامة كأخدود في عقلي قبل ان يغادر ، لقد اصبح احد اهم رموز احلامي الليلية لا بل غفواتي القصيرة، خوان رولفو (Juan Rulfo) كان يقص علي بين الحين والاخر مقاطع من روايته بيدرو بارامو (Pedro Paramo) قال لي :

  • اتؤمن بجهنم ؟
  • نعم كما انني اؤمن بالجنة ايضا!
  • انا اؤمن بالنار فقط ( المقطع62)

هذه النار التي كنت اجهل مايعنيها رولفو رافقتني منذ ايام الخدمة العسكرية حتى اوصلتني الى شارع المتنبي عام 2003 حين اكلت السنة النار بغداد كلها ، يالها من فاجعة ..

 

ورقة من دفتري الصغير 4

لقد احترقت بغداد ، كتبها الان لم تلق في دجلة ، لم يصبح النهر حبرا .. بل دما .. وغرقى ، ونارا احرقت كل شيء.


قمت لاحقا بمعالجة للاسطر المتناثرة في دفتري الصغير ذاك وكتابة نص من تلك الخواطر اسميته (الخروج من بغداد –ربما قصة قصيرة) وهي مزيج بين أيام خدمتي للعلم وبين اجتياح بغداد عام 2003 وهناك نص اخر كان قد نشر في مجلة ضفاف في النمسا التي يترأس تحريرها الشاعر وديع العبيدي..

 

الخروج من بغداد

الصفحة 1

قبل عام مضى او ربما قبل يوم او قبل ساعة ، حين احترقت مدينتي كان هولاكو قد سرق رقيما طينيا لرجل اشوري اوصى ان تكون ارضه من بعده لابنه ، لكن الغازي سرق الوصية وسافر بعيدا ..

ارتفعت السنة اللهب عاليا لتحرق اخر بقايا الرقم الطينية لكنها هذه المرة لم تكن من طين بل من  ورق ، وعلى مرمى ومسمع ماسينون الذي القى بنفسه في السنة النار لينقذ طواسين الحلاج ، الذي اعتلى مئذنة الجامع لينشد قصيدة اكثر حزنا من انين تلميذه البكر … خرج ماسينون من عتمة الدخان نافضا يديه للريح والقتلى ليعلن موت الرصافي وجواد سليم والحسني والوردي والقبانجي ، وانا ، في سراي المكاتب كانت شوارع بغداد معطرة برائحة الورق الاسمر وحبر المطابع … لكنها الان..!

 

الصفحة 2

غريب هذا العصر ياحلاج فالجندي ( التتري ) الذي جاءكم بعباءة الموت ليعلمكم كيف تَحكمون او تُحكمون ، لا يعرف القراءة المسمارية ولا لغة الشعر والوجد الصوفي ، ترى هل ستحرق لو رجعت مجددا الى ارضك ؟

لم يكن في بال ماسينون ان يعيد لشيخه ذكرى الماضي الاليم ، قال : في كتبي نبؤاتي وفي نبؤاتي التاريخ والموت والقتلى والحب والكره ، والهي واشياء اخرى بيننا ..

مَضَى الجميع فلا عين و لا أثـُر               مُضِيَّ عادٍ و فـُقـْدانَ الأُلى إِرَم

انظر الى تلاميذي واولادي ونسائي ، انهم يحترقون بنار اقسى من تلك التي حرقتني وصليبي ..

 

الصفحة 3

لم اعرف لما جيء بي من مثواي الى هذه المدينة الدخانية ، اريد الرحيل لكنني لا اعرف كيف؟ … اننا نحترق ياماسينون! .

وصلت بغداد وانا مليء بالخوف من ان يلحظني احدهم فيعرف انني غريب ، اخاف ان تتلقاني كتائب الموت لتصادر ايامي المتبقية ، حين وصلت لا اعرف لماذا احسست بشيء غريب في بغداد ، لا اعرف ربما هناك رائحة ما ، او احساس مجهول لااستطيع ان اترجمه جملا وكلمات ..

 

الصفحة 4

اردت ان استعيد ذاكرتي للمدينة البهية ، لكنني عجزت ، لانها تغيرت ، لم تعد بغداد ، انها مدينة اخرى في زمن ما!

هل المدينة حقا موجودة ام انني ابصر خيالا ؟ ..

هل الناس فعلا احياء امامي ام يسيرون كاطياف موتى ؟ ..

بغداد الان تقتسمها راية سوداء ، تؤرخ لزمن مات فيه احد الابطال في معركة قادتها قوة شريرة اطاحت بالحسين الشاب ، ومنذ ذلك التاريخ اصبحت الراية السوداء تقويما(روزنامه) للثكلى.

وراية بيضاء توجز لك الزمن الحاضر، لانها تدلك على مجلس عزاء يخاف اهله ان تقصفهم الطائرات الامريكية..

 

الصفحة 5

يالها من سخرية ، زمننا لا يعرف الا تلك الرايات وكلتاهما راية لميت ..

دخلت الى شارع الكتب رافقني ظله ، قال :

انها مدينة الموتى لماذا جئت هنا انهم موتى .. اتعتقد انك ترى احياء .. المدينة لا وجود لها ، انها في ذاكرتك فقط .. لا وجود للناس .. لقد استفاقوا مجددا.

ان ما يحدث لهؤلاء الموتى القدامى هو انهم ما ان تطالهم الرطوبة حتى يبدأوا بالتحرك ، ثم يستفيقون!(المقطع43)

 

الصفحة 6

واستفاق في بغداد موتاها وتوزع فيها قتلاها … راية سوداء واخرى بيضاء …

وكأن كلامه حقا ، فما الذي جاء بالحلاج الى بغداد من رماده الملقى في دجلة ، أحقا ان الموتى يعودون ؟

التفت اليَ ، قال:

  • من الذي يتبعك كظل؟

هربت مسرعا ، رولفو يضحك مثل عجوز على سني عمره البلهاء ، يسخر مني ..

  • انتظر .. انتظر الموتى لا يتكلمون ! انه ميت ، لم الخوف ، المدينة مدينة اشباح وموتى .. بغداد ماتت منذ اعوام ، ارجع ..
  • بل يتكلمون .. انهم في كل مكان ، الا تراهم؟
  • هل صدقت الان ان الموتى يتكلمون؟ لكنهم لن يؤذوك ابدا !

 

الصفحة 7

قلت في سري ما الذي ارجعه الى بغداد مرة ثانية ؟ وكأنه يسمع ما في صدري ، التفت الحلاج نحوي ، التفت الناس الي ، حقا لقد سمعونني دون ان اتفوه بكلمة ..

تقدم الي جمع غفير ، صرت وسط حلقة من الناس ، اقترب الشيخ المصلوب مني .

  • دلني على طريق الرجوع .. اريد العودة؟ اراد جنود الخليفة الجديد ان يقبضوا عليَ !
  • اي خليفة؟
  • خليفتكم ! انهم جنود غريبو الاطوار يحملون رماحا صغيرة لقد حرقوا طواسيني واشعاري ، قال لي تلميذي انهم التتر الذين حرقوا بغداد كلها!

نعم لقد أُحرِقَت بغداد واحترقت الطواسين ونهض الاموات يبحثون عن مكان آمن

  • في طواسيني اسراري ، وفي اسراري سر الحرف والحقيقة ، الم اقل لك يوما ، ان الحقيقة اوجزت بحرف الباء وانا النقطة التي تحت الحرف .

 

الصفحة 8

ترى أكان الحلاج يقصد باء (بغداد).. لكن اين بغداد؟!

كيف اصل الى شوارع المدينة القديمة اين شارع المتنبي اين كتبي ..

يالها من رواية يا رولفو ، تمنيت لو انها تنتهي الان.

قال لي : هل تريد ان تستفيق الان ياصديقي !

دون تأخير ، قلت نعم! ، لا بد ان استفيق ، اريد ان اغادر هذه المدينة الان ، انها ليست مدينتي التي اعرف.

آوه نسيت ان اقول لك:-

انك ميت مثلهم وما من احد يقدر ان يخرجك من بغداد! .

ملخص المنشور

  • اعتدت بعد خروجي من معسكر الرشيد للتدريب الذي كنت فيه ادرس فاحص عتاد ، ان استقل حافلة الركاب الحمراء في بغداد  TATAدون النظر اين تذهب ، اخرج لفائف التبغ التي كنت اعدها فجرا واضعها في محفظة بلاستيكية ، ودفتري الصغير ، اشاهد واكتب يوميات ساذجة وجادة ، سمينة او نحيفة مثلي ، ادون كلماتي عن الرجال والنساء وألاطفال الذين اشاهدهم من خلف نافذة الحافلة البطيئة ، واكتب المواقف او افكار تحضر ذاكرتي من قراءتي السابقة وانطباعاتي فيها ، ربما كان طقسا للهروب من تيار الزمن الموحش الذي أحاول عقد صداقات معه ليكون اخف وطأة مما هو عليه.
  • اذهلني عالم الرواية كدت اصاب بالجنون حين كان ابطال الروايات يزورونني في الاحلام واحلام اليقظة ، من هوسي علق في ذهني احدهم ، ولم استطع التخلص منه ، فاقتحم حياتي ولم يتركني ابدا لاشهر طويلة ثم وضع علامة كأخدود في عقلي قبل ان يغادر ، لقد اصبح احد اهم رموز احلامي الليلية لا بل غفواتي القصيرة، خوان رولفو (Juan Rulfo) كان يقص علي بين الحين والاخر مقاطع من روايته بيدرو بارامو (Pedro Paramo) قال لي .
  • قمت لاحقا بمعالجة للاسطر المتناثرة في دفتري الصغير ذاك وكتابة نص من تلك الخواطر اسميته (الخروج من بغداد –ربما قصة قصيرة) وهي مزيج بين أيام خدمتي للعلم وبين اجتياح بغداد عام 2003 وهناك نص اخر كان قد نشر في مجلة ضفاف في النمسا التي يترأس تحريرها الشاعر وديع العبيدي.
  • مَضَى الجميع فلا عين و لا أثـُر               مُضِيَّ عادٍ و فـُقـْدانَ الأُلى إِرَم.
  • الخروج من بغداد.

اكتشاف المزيد من شريف هزاع

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.