في الطاعون الالكتروني

قبل وفاة المفكر الرائع امبرتو ايكو باشهر كان له لقاء مع الغارديان (2015) قال في سياق كلامه :-

ان الرأي العام يتشكل 50% من الزيف.

وكأنها اشارة هامة الى ان جملة الحقائق التي نعتقد انها صحيحة متفق عليها ؛ هي بالاساس متشكلة من لبنات وهمية تعتقد انها صروح للحقائق المتفق عليها.
وربما اشرت بمنشور قبل ايام اقتبسته من جان كوكتو انه “لايجوز الخلط بين الحقيقة ورأي الاغلبية”.

لا اريد هنا الاطالة فلست بصدد كتابة مقال في علم الدلالة ، ولست ضليعا بها رغم حبي لهذا الفن التحليلي الرفيع ، وركوني الى دريدا اكثر من غيره ، يعطيني العذر انني لست اهلا للتحليل السيمولوجي الان ، واني لست بصدد كتابة مبحث تأويلي لان هذا سيكون مأخذاً علي كوني لا اجيد السيمولوجية ؛ ولكن ! بين الحين والاخر علي ان الوك بعض من الاطعمة في الثلاجة !.
وهذا ما افعله الان..

قضية امس –منشور انتشر في الفيسبوك في مارس 2019– كادت ان تعصف بالمدون العربي وتلقيه ارضا ، وربما يبرز هنا اهمية تحليل جزء منها وليس كلها ، لانها تأخذ الوقت الكثير ، والافضل ان يتناولها اهل هذا الفن التأويلي فهم الاكثر جدارة.
قبل عقود من الزمن صعق العالم الغربي بخبر اختطاف السياسي الايطالي الكبير [الدو مورو] الذي احتجز 55 يوماً ثم اجهز عليه خاطفوه من منظمة (الالوية الحمراء) وكان ابان احتجازه ارسل رسائل الى الحكومة ، لكن فشل تحليل الخطابات وعقم المفاوضات وتشتت الاراء والاحزاب قتلت مورو قبل موته على يد خاطفيه ، هذه القضية وغيرها اثارت ايكو لتحليل السياقات الخطابة وكشف النص وتأويله.

التحليل الخاطيء ربما يكون اكثر خطورة من التوقف عن التحليل ، وماوقع به الكثير بتوقف الفيسبوك كان عملية تداولية خرجت عن سيطرة المرسل وانتشرت في المستهلك الذي اساء تأويلها وكان الاجدر به التوقف عن اي اجراء اخر، يشبه الى حد كبير سياسة الفهم الخاطيء للرسالة واننا قصة مورو يمكن اسقاطها على قضية امس بالكامل.

ماذا كتب الفيسبوك لنا؟

الرسالة الاولى
هذه الرسالة هي إعلام جميع مستخدمينا ، أن خوادمنا كانت مزدحمة للغاية في الآونة الأخيرة ، لذلك نحن نطلب منك مساعدتك لحل هذه المشكلة. نطلب من المستخدمين النشطين إعادة توجيه هذه الرسالة إلى كل من الأشخاص الموجودين في قائمة جهات الاتصال الخاصة بك من أجل تأكيد مستخدمي Facebook النشطين إذا لم تقم بإرسال هذه الرسالة إلى جميع جهات الاتصال الخاصة بك على فيسبوك ، سيبقى حسابك غير نشط مع نتيجة فقدان جميع your cont نقل هذه الرسالة…..الخ.

فمنظمة غير رسمية غير حقيقية(مجهولة الكترونية)قامت بخطف شخص رسمي حقيقي هو (انت) واحتجزتك ثم اجهزت عليك بتكرار رسائل الاستغاثة التي لا اصل لها.

حين قمت بتكرار الرسالة كنت بحالة تأكيد على رفض الحياة الحقيقية لك كشخص ضمن عالم متكامل والركون الى العالم الافتراضي والدفاع عن هويتك فيه رغم انه مبني على كمية كبيرة من الزيف (وليس كله).

افتقرنا الى صيغ التحليل السليم والاطر اللغوية والتواصلية الحقيقية كما كنا في الواقع الحقيقي الذي يفترض بناء منطقيا قد تتخطاه العوالم الافتراضية التي اختزلت الحقائق منها اللغوية ضمن تشكيل جاف تداولي ازاح الحقيقي المنطقي.
فحين “يكون مدار الكلام على رسائل ذات وظيفة مرجعية يروح المرسل اليه يستخدم الاثار النحوية باعتبارها قرائن مرجعية” (ص75) وهذا ما انعدم من قاريء الامس حيث انه قد وردت له رسالة ترجمت بشكل يفتقر الى الادوات النحوية البنائية المعهودة مثل ورود الجملة :-
لذلك نحن نطلب منك مساعدتك لحل هذه المشكلة..

الاجراء التفكيكي قد يكشف هنا كثير من ماوراء النص.
نطلب مساعدتك ، في حين انت الذي تطلب المساعدة ، ابهام الطلب للوقوع في انسياق الرسالة ان تكون انت (دون كيخوته) الذي يحارب الفرسان / الطواحين.. لتنقذ العالم…الخ
ضع خطا تحت كلمة (مساعدتك) وبنائها في الجملة ، اذا ركزنا على البناء فيها نجد انها نقلت بترجمة خاطئة وكان القصد الحقيقي الذي اضاعته الترجمة الالية (نحن نريد ان نساعدك لـ…) (نحن نريد منك مساعدتنا لـ….الخ) السبب ان الانسياق الجمعي كان تابعا الى المرموز الوارد دون اللفظ ، وهنا قول ايكو ” ينبغي للقاريء الا يأخذ النداء على حرفيته (ص81) ففي تحليل ايكو لرسائل مورو هي نفسها التي يمكن ان نتناولها الان ، (انا مورو) كانت نفسها التي وردت في رسالة امس (انا مارك) فكانت الطاعون الالكتروني الذي اجهز على الكثير..

 

ماذا حصل امس؟
ليس من المفترض تحليل كل الظروف او النتائج التي تمخض منها الانقياد الجمعي لمجموعة كبيرة من الناس لكنها خرجت لنا بمحصلة هامة عن العالم الافتراضي الذي اصبح منتقلا عند الكثير من الوهمي الى الحقيقي ظناً ، وهذا يرجعني الى اول الاسطر ” لبنات وهمية تعتقد انها صروح للحقائق المتفق عليها” وهذا ماجعل من رسالة التهديد تأخذ مفعولها السريع” إذا لم تقم بإرسال هذه الرسالة إلى جميع جهات الاتصال الخاصة بك على فيسبوك ، سيبقى حسابك غير نشط مع نتيجة فقدان جميع your cont” الكلمة بالانكليزي

هنا توظيف تداولي اسرع من ان يكون لها مرادف عربي ، لذا استخدمت للتأثير المباشر على اللاوعي ، فانت عبارة عن (اكاونت) ليس الا.!
ثم كرر التهديد الذي كان في مقدمة الرسالة ، وذيل بالاخير ايضا لتأكيد الطلب للانسياق ضمن القطيع وتاكيد لمصداقية التهديد..

الرسالة الثانية
مرحبًا ، أنا مارك زوكربيرج مدير Facebook.
مرحبًا بالجميع ، يبدو أن جميع التحذيرات كانت حقيقية ، وأن استخدام Facebook سيكلف المال…..الخ .

ثم عزز الكلام المكتوب بتسجيل فيديو لمارك وهو يتحدث لجمهوره الا انه اخذ مقطعا من ظهوره السابق واضيف له تسجيل اخر وقصة اخرى وظفت لقيادة القطيع الذي لاينساق بالخطاب اللغوي لكنه لن يتخلص بسهولة من النص الصوري.

لقد وقع الكثير تحت سلطة مايسمى بالسردية المصطنعة التي يعرفها ايكو:-
لاتظهر كثير من الاهتمام بالشروط التداولية التي تخضع لها السردية الطبيعية حيث ان المؤلف لايلزم نفسه قول الحقيقة ولا البرهنة على مزاعمه (ص88)..

هذا كل مافي الثلاجة..

شريف هزاع 14 مارس 2019

——————-

الاقتباسات
امبرتو ايكو : القاريء في الحكاية ترجمة انطوان ابو زيد ط1 المركز الثقافي العربي بيروت 1996

ملخص المنشور

  • ليس من المفترض تحليل كل الظروف او النتائج التي تمخض منها الانقياد الجمعي لمجموعة كبيرة من الناس لكنها خرجت لنا بمحصلة هامة عن العالم الافتراضي الذي اصبح منتقلا عند الكثير من الوهمي الى الحقيقي ظناً ، وهذا يرجعني الى اول الاسطر ” لبنات وهمية تعتقد انها صروح للحقائق المتفق عليها” وهذا ماجعل من رسالة التهديد تأخذ مفعولها السريع” إذا لم تقم بإرسال هذه الرسالة إلى جميع جهات الاتصال الخاصة بك على فيسبوك ، سيبقى حسابك غير نشط مع نتيجة فقدان جميع your cont” الكلمة بالانكليزي.
  • نطلب من المستخدمين النشطين إعادة توجيه هذه الرسالة إلى كل من الأشخاص الموجودين في قائمة جهات الاتصال الخاصة بك من أجل تأكيد مستخدمي Facebook النشطين إذا لم تقم بإرسال هذه الرسالة إلى جميع جهات الاتصال الخاصة بك على فيسبوك ، سيبقى حسابك غير نشط مع نتيجة فقدان جميع your cont نقل هذه الرسالة.
  • قضية امس -منشور انتشر في الفيسبوك في مارس 2019- كادت ان تعصف بالمدون العربي وتلقيه ارضا ، وربما يبرز هنا اهمية تحليل جزء منها وليس كلها ، لانها تأخذ الوقت الكثير ، والافضل ان يتناولها اهل هذا الفن التأويلي فهم الاكثر جدارة.
  • نطلب مساعدتك ، في حين انت الذي تطلب المساعدة ، ابهام الطلب للوقوع في انسياق الرسالة ان تكون انت (دون كيخوته) الذي يحارب الفرسان / الطواحين.
  • هذه الرسالة هي إعلام جميع مستخدمينا ، أن خوادمنا كانت مزدحمة للغاية في الآونة الأخيرة ، لذلك نحن نطلب منك مساعدتك لحل هذه المشكلة.

اكتشاف المزيد من شريف هزاع

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.