قبل عام تواصلت مع الكاهن حسني كبير كهنة الطائفة السامرية اليهودية لاطرح عليه سؤال يتعلق بالنبي هارون ومكانته في الديانة اليهودية وقد بينت له ان ديانتي أوضحت صورة مفصلة لدور النبي موسى ومكانته في بني إسرائيل الا انني لم اجد تفصيلا عن النبي هارون.
كان بالامكان ان ابحث عن جواب لسؤالي بين طيات الكتب والمراجع وان اشغل نفسي ليوم على الانترنيت بدل ذلك ، لكن فكرتي كانت ان اخذ خلاصة موجزة حتى لو كانت اسطر قليلة من شخص متخصص ملماً بالتفاصيل ، ومنها اذهب للبحث وافكك الخيوط ، استسمحت الكاهن ان لا يؤاخذني في سؤالي كوني باحث عن إجابة.
بعد ايام وصلني جواب من الكاهن المحترم:-
كل الشكر والتقدير لتواصلك معنا، في زمن النبي موسى وشقيقه هارون لم يكن هناك يهودي اطلاقاً، وليس هناك دين يهودي اصلاً، الدين هو اسرائيلي، بعد 600 سنة من دخولهم الأراض المقدسة اصبح هناك يهودي وسامري.
اصبح هناك يهودي نسبة لسبط يهودا ، وليس دين، وكذلك ليس هناك دين سامري، والسامري الآن اصله من سبطا لاوي وابناء يوسف افرايم ومنشي، هارون كان قائد دينياً للأسباط الإثني عشر في مصر، كان يلم بالقيادة الدينية بالاضافة الى قائد الاسرائيلين بينما موسى ترعرع في البلاط الفرعوني 20 سنة ، و 60 سنة عند حماه يترو المدياني، باختصار موسى وهارون هم احفاد الأنبياء الثلاث ابراهيم واسحاق ويعقوب، ومعلوماتهم الدينية مقتبسة منهم كونهم احفادهم..انتهى
دونت تلك الإجابة في دفتري تحت عنوان (هارون نبي الظل) لارجع لما كتبت في وقت لاحق واقوم بدراستها والتفرغ لها بشكل كامل..
كان شاغلي يتعلق بالبحث عن صورة لهارون النبي لها استقلالية ولايمكن ان ينظر اليها كاقتران شرطي مع موسى النبي ، هذا يستلزم مني النظر اليه من زاوية الكتاب المقدس رغم انه طريقة قد توقعني بالخطأ كوني لست دارس متخصص لهذا النص الذي اعتبره –اعتبار شخصي- انه اشكالي ، وهذا ماقمت به بشكل سريع لاجد اشكال اخر يخص شخصية هارون النبي هو المعجزات التي وقعت على يديه فالقران جمع بين المعجزات سيما انه ينظر الى النبي موسى وهارون كوحدة –المعجزات المشتركة- فنكاد لا نقدر على تحديد دقيق لمعجزة النبي هارون ماهي تحديدا هل هي الوزارة ! هذا لايمكن لانها ليست معجزة ، التوراة مختلفة جملة وتفصيلا في رؤيتها للموضوع ، فنهر الدم والعصا والثعبان وغيرها تعتبر بنظرهم -التوراة- معجزات هارون وليست لموسى ويُنظر إلى هارون على أنه الأداة المباشرة التي أجرى الله على يدها المعجزات الأولى في مصر، حيث كانت عصا هارون هي المحور الأساسي يقولون عصا هارون ولا يقولون عصا موسى فالتوراة تشير الى انها كانت بيد هارون النبي رماها امام فرعون وتحولت الى ثعبان كبير، وهي نفسها العصا التي اعلنت انه كبير الكهنة حيث ازهرت تحت الخيمة بعد حادثة تمرد (قورح) الذي اثار غضب اليهود على موسى وهارون واتهموهم بانهم قتلوا شعب الرب ، ويعد تمرد قورح من أبرز التحديات التي واجهت قيادة موسى وهارون خلال رحلة بني إسرائيل في البرية وتحديد مهمة كبير الكهنة هارون.
تأملت قليلا بصورة ووظيفة النبي هارون وتساءلت:-
لما يكون هناك نبيان في زمن واحد ومكان -بقعة- نفسه يتحركان معا يتحدثان لشعب واحد؟! لما حدث هذا ، ما الغاية تحديدا ؟
حاولت فهم الدور الذي يقوم به النبي هارون بأن اخرج من دائرة التوراة واذهب متلمسا أي خيط يمكن ان يقدمه لي ابن عربي المتصوف الكبير في كتابه فصوص الحكم علني اجد بعض المفاتيح ، اعترف انني لم انجح بنسبة كبيرة من حل هذا الاشكال فالشيخ الاكبر يُنظّر حول قضية النبوة والامامة والخلافة واهمية او اقتران الامامة والنبوة ليؤطر نظريته الصوفية التي تتناول هذا الاشكال الكبير في الفكر الاسلامي ولا انكر اني تلمست لوهلة خيوط هامة في ذلك الفص لكن لم ادركه كاملا وبقيت في عقلي كلمة الامامة والخلافة على انها صورة ظلية للاصل وهي مكان ثري للتعمق هناك ، فوجهة النظر الحاتمية لاتخرج عن النص القرآني الا انها تبوبها تحت اصطلاح وهي في حقيقتها تنظر الى موسى وهارون كبنية واحدة لاتتجزاء وان وجود الظل من اصل النور وكأن الحقيقة هي ان هارون وموسى شخصيتان في نبي واحد نبي- امامة – خلافة..
الجزء القرآني والتوراتي يتفقان ان النبي هارون كان المتحدث الرسمي بلسان النبي موسى الاصغر منه سنا والقرآن اوضح بشكل دقيق (وزيرا من اهلي) وهذه التي يعنيها ابن عربي بالامامة والخلافة الامامة هي المتحدث الوزير ، والخلافة هي بقاءه مع بني إسرائيل حين تركه موسى وذهب لتلقي الالواح ، ونعلم ان القرآن جاء بكليات الحدث دون التفصيل بجزئياته وركز على محور لقاء فرعون قبل الخروج ومحور العجل بعد الخروج.
التفاصيل الدقيقة لم تكن واضحة المعالم واي شخص يرجع الى النص القراني يجد ان تعريف هارون ياتي بصيغة تكاد تكون ترادفا لموسى او اننا لايمكننا فهم هارون كمعطى واحد الا بموسى ويمكن ان نفهم موسى بدون هارون ، وساضرب مثالا لا اريد ان يفهم تجديفا فانا مجرد باحث والامثلة تضرب ولاتقاس ، لايمكن ان نضع هارون بين قوسين انه (المتحدث بلسان موسى) فقط كان بالإمكان ان يكون موسى بلا حاجة لكل هذا ولا الى ترجمان كان وحده يكفي ، هذا التساؤل لا يطعن هنا بالمساق القرآني انما يثور في عقلي ان وجود هارون مع موسى له ابعاد أخرى وان لم يتحدث عنها القران تفصيلا ولايحصر انه وسيط خطابي لموسى مع فرعون فقط ، جزافا قلت:-
لو اننا حذفنا قصة موسى من القران هل سنجد بقايا لهارون؟!
لن يبقى له ذكر كونه يقترن بموسى ، فمؤكد ان ليس كذلك وان له دور لايقل عن موسى لكننا نجهله ، لأننا بالمثل هذا نؤكد موسى هو الأصل والظل هارون ، الا اننا يمكن ان نتجاوز هذا الاشكال بالرجوع الى التوراة قليلا لتوضيح ضورة هارون النبي.
هارون شخصية محورية كبيرة جدا وليست هينة فكان قيادي من الطراز الرفيع بعيد النظر ودوره الكهنوتي ليس بامر بسيط فالديانة تقوم بتفاصيلها على التنظيم الكهنوتي والذي كان على عاتقه وهو المؤسس الأول لنظام الكهنوت اليهودي (Kohanim) والجَد الأكبر لجميع الكهنة الذين أداروا الطقوس الدينية في خيمة الاجتماع ومن ثم في الهيكل.
في سفر الخروج واللاويين ان الله اختار هارون وأبناءه ليتولوا الخدمة المقدسة بشكل حصري وأصبح هارون أول رئيس كهنة لبني إسرائيل ، وقد حُصر منصب القيادة الدينية والكهنوتية في ذريته فقط (أبناء هارون)، وصار لقب “كوهين” (الكاهن) رمزاً سلالياً ينتقل بالوراثة ، وهذا هو سبب تمرد قورح عليه ، وأيضا هو المسؤول المباشر عن تقديم القرابين ، وإيقاد المنارة ، والدخول إلى “قدس الأقداس” في يوم الغفران (يوم كيبور) للتكفير عن خطايا الشعب.
رجعت مجددا الى فصوص الحكم وانا ابحث عن واقعة هامة وخطيرة في الديانة اليهودية وهي قضية العجل الذهبي ومحورية النبي هارون بهذا الحدث الجسيم لكن لم اصل لنتيجة واضحة فالشيخ الأكبر متعب بمصطلحاته العديدة المتفردة ذات الابعاد الصوفية البحتة فقد استرسل بالرؤية الصوفية يزاوج بين العبادة على انها ميل وبين مال القوم للعبادة من عجل مصنوع بالمال –الذهب- والناس تميل للمال ، واعتقد ان تلك المعالجة لم تكن بعمق وتأثير الحدث الجسيم ذاك .
رجوعا الى التوراة نجد اختلافات اخرى حول النبي هارون فالقران لايشير الى هارون على انه محور قصة العجل الذهبي والنص القرآني يرجعها الى السامري بينما التوراة تعتبر ان هارون هو من صنع العجل وتؤول الامر على انه كان نوعا من الدبلوماسية وتأخير الوقت على ان لايكون هناك تمردا اكبر لحين رجوع موسى من لقاء الرب .
لست هنا مدافعا عن هارون النبي القرآني امام هارون النبي التوراتي الا انه هناك مؤشر يأتينا من قصة قورح تبين ان بعض بني إسرائيل يكن كرها لهارون رافضين ان يكون هو الكاهن الأكبر لبني إسرائيل وكان عددهم 250 ابتلعتهم الأرض مع قورح وحرقوا كما تقول القصة التوراتية ، هذا ما يجعلني افترض انه من غير مستبعد ان تكون هذه تهمة الصقت بالنبي هارون انه كان صاحب فكرة العجل الذهبي عالج فيها تذمر بني إسرائيل واسكتهم بسبب تأخر رجوع النبي موسى بعد 30 يوما كما وعدهم ، فبوادر التمرد حدثت بعد تركهم30 يوما واستمر عبادة العجل الذهبي 10 أيام بعد ذلك الزمن فاصبح الزمن 40 يوما الى ان رجع موسى الى قومه.
الطرح التوراتي يختلف جذريا عن الرؤية القرآنية للحدث ، فالعجل الذهبي في المنظور اليهودي كما في التوراة والذي ينقله لنا سفر الخروج أن هارون هو من صنع العجل الذهبي بني إسرائيل عندما تأخر موسى فوق الجبل ولم يرجع كما وعد انه سيبقى 30 يوما ويرجع لهم ، فتأخر فوقها 10.
التفسير اليهودي للحادثة لا يرى بأن هارون فعل ذلك كفرد عابد للأوثان أو كارهاً للحق ، بل يفسر المفسرون اليهود موقفه بأنه كان يحاول “المماطلة” وكسب الوقت حتى يعود موسى، ولتفادي أن يقتل الشعب بعضهم بعضاً إذا رفض طلبهم مباشرة.
وهناك اختلاف جوهري وجذري بين النص التوراتي والنص القرآني في رواية هذه الحادثة فالقران يقول ان السامري من قام بصناعة العجل في حين ان اليهود يقولون لا وجود لهذه الشخصية على الإطلاق في التوراة أو في العقيدة والتقاليد اليهودية المعتمدة.
هنا افترض منطقيا نبوة هارون الموازية لموسى ، لان الذي يوحي لموسى ان قومه ضلوا وكفرو مؤكد انه أوحى لمن هناك ان ينبه ويوعظ ويوبخ وينهر وهذا ما فعله بالتأكيد فكان هارون النبي باختبار خطير جدا لان مجموعة عبدة العجل الذهبي كان بالإمكان ان يقتلوه وخلافة هارون لموسى كانت 30 يوما مستقرة و10 أيام غليان تستلزم ان يخمد التمرد بحكمة هارون وليست بقوة موسى ، فلو انه قاتلهم –كان يقدر- لانقسمت بني إسرائيل.
خرجت من اشكال افتراضي الأول بأن هارون ليس نبي الظل انما كان مركزا كبيرا في الحدث الديني لبني إسرائيل ويدفعني هذا للذهاب الى النص القرآني الذي سأستل منه بعداً قد يمر عليه القارئ بشكل عابر حول العجل الذهبي وحوار النبي موسى الانفعالي ، وبعد النظر الهاروني الكبير في ذلك الحدث المزلزل ، ومن اية قرآنية اجدها هامة كثيرا وهي بعد ورجوع موسى وغضبه من أخيه ، كيف سمحت لهم ان يفعلوا هذا ؟ اتتركهم يرجعون الى الوثنية؟
هنا يبرز اعظم مافي هارون النبي حسب النص القرآني:-
“يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين إسرائيل بني ولم ترقب قولي”
هارون النبي ببعد نظر وحكمة بالغة قدم أهمية وحدة الامة على الدين والتوحيد والعقيدة بالرغم من انه يملك التأييد السماوي ان قاتلهم وقتلهم ، لكنه امتثل لوحي النبوة بالتريث والترقب والحكمة ، واتخاذ إجراءات اقل ضرراً حتى لو كانت على حساب التوحيد بشكل وقتي.
ملخص المنشور
- حاولت فهم الدور الذي يقوم به النبي هارون بأن اخرج من دائرة التوراة واذهب متلمسا أي خيط يمكن ان يقدمه لي ابن عربي المتصوف الكبير في كتابه فصوص الحكم علني اجد بعض المفاتيح ، اعترف انني لم انجح بنسبة كبيرة من حل هذا الاشكال فالشيخ الاكبر يُنظّر حول قضية النبوة والامامة والخلافة واهمية او اقتران الامامة والنبوة ليؤطر نظريته الصوفية التي تتناول هذا الاشكال الكبير في الفكر الاسلامي ولا انكر اني تلمست لوهلة خيوط هامة في ذلك الفص لكن لم ادركه كاملا وبقيت في عقلي كلمة الامامة والخلافة على انها صورة ظلية للاصل وهي مكان ثري للتعمق هناك ، فوجهة النظر الحاتمية لاتخرج عن النص القرآني الا انها تبوبها تحت اصطلاح وهي في حقيقتها تنظر الى موسى وهارون كبنية واحدة لاتتجزاء وان وجود الظل من اصل النور وكأن الحقيقة هي ان هارون وموسى شخصيتان في نبي واحد نبي- امامة – خلافة.
- هذا لايمكن لانها ليست معجزة ، التوراة مختلفة جملة وتفصيلا في رؤيتها للموضوع ، فنهر الدم والعصا والثعبان وغيرها تعتبر بنظرهم -التوراة- معجزات هارون وليست لموسى ويُنظر إلى هارون على أنه الأداة المباشرة التي أجرى الله على يدها المعجزات الأولى في مصر، حيث كانت عصا هارون هي المحور الأساسي يقولون عصا هارون ولا يقولون عصا موسى فالتوراة تشير الى انها كانت بيد هارون النبي رماها امام فرعون وتحولت الى ثعبان كبير، وهي نفسها العصا التي اعلنت انه كبير الكهنة حيث ازهرت تحت الخيمة بعد حادثة تمرد (قورح) الذي اثار غضب اليهود على موسى وهارون واتهموهم بانهم قتلوا شعب الرب ، ويعد تمرد قورح من أبرز التحديات التي واجهت قيادة موسى وهارون خلال رحلة بني إسرائيل في البرية وتحديد مهمة كبير الكهنة هارون.
- كان شاغلي يتعلق بالبحث عن صورة لهارون النبي لها استقلالية ولايمكن ان ينظر اليها كاقتران شرطي مع موسى النبي ، هذا يستلزم مني النظر اليه من زاوية الكتاب المقدس رغم انه طريقة قد توقعني بالخطأ كوني لست دارس متخصص لهذا النص الذي اعتبره –اعتبار شخصي- انه اشكالي ، وهذا ماقمت به بشكل سريع لاجد اشكال اخر يخص شخصية هارون النبي هو المعجزات التي وقعت على يديه فالقران جمع بين المعجزات سيما انه ينظر الى النبي موسى وهارون كوحدة –المعجزات المشتركة- فنكاد لا نقدر على تحديد دقيق لمعجزة النبي هارون ماهي تحديدا هل هي الوزارة .
- خرجت من اشكال افتراضي الأول بأن هارون ليس نبي الظل انما كان مركزا كبيرا في الحدث الديني لبني إسرائيل ويدفعني هذا للذهاب الى النص القرآني الذي سأستل منه بعداً قد يمر عليه القارئ بشكل عابر حول العجل الذهبي وحوار النبي موسى الانفعالي ، وبعد النظر الهاروني الكبير في ذلك الحدث المزلزل ، ومن اية قرآنية اجدها هامة كثيرا وهي بعد ورجوع موسى وغضبه من أخيه ، كيف سمحت لهم ان يفعلوا هذا ؟ اتتركهم يرجعون الى الوثنية؟.
- اصبح هناك يهودي نسبة لسبط يهودا ، وليس دين، وكذلك ليس هناك دين سامري، والسامري الآن اصله من سبطا لاوي وابناء يوسف افرايم ومنشي، هارون كان قائد دينياً للأسباط الإثني عشر في مصر، كان يلم بالقيادة الدينية بالاضافة الى قائد الاسرائيلين بينما موسى ترعرع في البلاط الفرعوني 20 سنة ، و 60 سنة عند حماه يترو المدياني، باختصار موسى وهارون هم احفاد الأنبياء الثلاث ابراهيم واسحاق ويعقوب، ومعلوماتهم الدينية مقتبسة منهم كونهم احفادهم.
اكتشاف المزيد من شريف هزاع
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

